الشيخ محمد رشيد رضا

175

الوحي المحمدي

هذا أصل دين الفطرة الغريزي في البشر ، لا ما زعمه بعض الكتاب المعاصرين من أن دين الفطرة في الآية الكريمة أن يعمل الإنسان متبعا شعوره وأفكاره ووجدانه بمقتضى طبيعته دون تلقى شئ من غيره ، فهذا جهل ، لا يقره دين ولا عقل ، وفوضى لا يستقيم معها أمر ، فإنّ الإنسان يجنى على فطرته وغرائزها وقواها بجهله وسوء اجتهاده ، فشعوره الفطري الذي بيّناه هو الذي ولد له العقائد الوثنية بعبادته كل ذي تأثير لا يعرف له سببا ، لحسبانه أنه هو صاحب السلطان الغيبي القادر على نفعه وضره ، ومن ثمّ كان محتاجا إلى تكميل فطرته بالوحي الإلهى . وعلى هذا الأصل بنى الدين التعليمي التشريعي الذي هو وضع إلهي يوحيه اللّه إلى رسله لئلا يضل عباده بضعف اجتهادهم واختلافهم في العمل بمقتضى غريزة الدين كما وقع بالفعل ، ولا يقبل البشر هذا الدين التعليمي بالإذعان والوازع النفسي إلا إذا كان الملقن لهم إياه مؤيدا في تبليغه وتعليمه من صاحب ذلك السلطان الغيبي الأعلى ، والتصرف المطلق في جميع العالم ، الذي تخضع له الأسباب والسنن فيه وهو لا يخضع لها ، سواء كان له هذا التصرف لذاته وهو رب العالمين ، أو كانت له بولايته له تعالى ونيابته عنه . وقد شرحنا هذه الحقيقة آنفا مختصرا مما بيناه في مواضع مع التفسير والمنار في معنى كون الإسلام دين الفطرة ، وأنه شرع لتكميل استعداد البشر للرقى في العلم والحكمة ، ومعرفة اللّه عزّ وجلّ المعدة إياهم لسعادة الآخرة ، فليس فيه شئ يصادمها . فهذا الدين التعليمي حاجة من حاجات الفطرة البشرية لا يتم كمالها النوعي بدونه ، فهو لنوع الإنسان كالعقل لأفراده كما حققه شيخنا الأستاذ الإمام . قد كان دين اللّه الذي بعث به جميع رسله لجميع الأمم مصلحا لما أفسدته الوثنية من فطرتهم بجهلهم ثم بتقليد بعضهم لبعض ، على أنهم كانوا إذا طال الأمد على بعثة الرسل يضلون عن هدايتهم إلى أن أتم اللّه الدين وأكمله للبشر كما تقدم بيانه في المقصدين ، الأول والثاني من مقاصد القرآن . وفي حديث الصحيحين : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » . يعنى أنهما يفسدان فطرته الاستعدادية بتلقينه دينا محرفا منسوخا بدلا من إكمالها . وكان من فضل اللّه على عباده بعد إكماله دينه أن ضمن لهم حفظ كتابه هذا من التحريف والتبديل والنسيان والزيادة والنقصان ، فقال اللّه تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] ، وعصم أمة خاتم النبيين أن تضلّ كلّها عنه ، كما ضلت الأمم